محمد أبو زهرة

3455

زهرة التفاسير

ثالثها - قوله تعالى : وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ، وذلك كقوله تعالى : . . . وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ( 87 ) [ النساء ] وكقوله عزّ من قائل : . . . وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ( 122 ) [ النساء ] وأن الإخلاف مستنكر لا يقدم عليه الكرام ، فكيف يكون من اللّه ، ولا شك أن ذلك العقد المقدس كان خيرا على من عقدوه مع اللّه تعالى خالق وبارئ النسم . ولذا قال تعالت كلماته ، فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ ، الاستبشار طلب البشرى ، أو نيلها ، وقد نالوا هذه البشرى من اللّه تعالى ، و ( الفاء ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإن وعد اللّه إذا كان مقررا في الرسالات الإلهية التي جاءت بها التوراة والإنجيل والقرآن ، فإن على الذين يحق عليهم العهد أن يستبشروا ببيعهم أنفسهم للّه تعالى ، فإن الثمن عظيم ، وقوله تعالى الذي بايعتم به أي بعتم به أنفسكم ، فتبايعتم على أن تقدموها ، وتأخذوا بدلها ثمنا غاليا هو أغلى ما في الوجود من ثمن مقدر ، وتسليمه محقق ، وهو ممن يملكه . وختم اللّه تعالى الآية بقوله عزّ من قائل : وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الإشارة إلى التبايع ، أو الثمن ، وهو الجنة وهو الفوز العظيم ، وفيه قصر الفوز على العظمة ، أي أنه فوز يعد فوزا عظيما خيره ، اللهم اجعلنا من أهله . وقد ذكر اللّه تعالى أوصافا للمؤمنين فقال تعالت قدرته : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 112 ) . هذه أوصاف ثمانية للمؤمنين تبين سلامة نفوسهم ، ورقابتهم عليها لدوام تطهيرها ، فكلما صدأت أزالوا صدأها ، يتجه آحادهم إلى جماعتهم يزيلون ريبها ، ويطهرون مجتمعها ، ويجعلون لها رأيا عاما فاضلا يلتزم حدود اللّه تعالى التي حدها .